أيوب صبري باشا

145

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

الخزرجيين قطعيا ، فغرز رمحه في رحله وبرك على الأرض مثل الجمل بناء على القاعدة العربية القديمة وقال : « إنني لا أرجع من هنا ما لم أقتل فإذا أردتم أن تتركوني في حالتي هذه للعدو فاتركونى » ، وأنشد بعض الأشعار المناسبة للموقف وهكذا شجع أبناء قبيلته ، وقد أشفق رجال الأوس على حال خضير الذي يفكر في وطنه وهو مجروح ويحرص على الدفاع عنه وحتى لا يتركوه ليد العدو وهو في حالته هذه فاضطروا للثبات في ميدان الوغى وأثبتوا شجاعتهم الفطرية بقتلهم قائد الخزرج عمرو بن النعمان « 1 » البياضي وهزموا عدوهم هزيمة شنعاء وأخذوا يتعقبونهم من خلفهم ، وفي أثناء ذلك سمعوا صوتا هاتفيا يقول : « يا معشر الأوس لا يليق أن تقتلوا إخوانكم بهذا الشكل ، إن مجاورتهم أولى من مجاورة اليهود » حينئذ تركوا الحرب ثم حملوا خضيرا الذي شجعهم بكل تعظيم وأوصلوه إلى منزله . وقد فرح خضير بن سماك فرحا لا حد له لانتصار الأوس على الخزرج على الصورة المطلوبة ، إلا أن الجرح الذي أصيب به لم يكن قابلا للالتئام فمات متأثرا به بعد مرور وقت قليل . وكان هزيمة الخزرج وتشتتهم شيئا يبحث عنه الأوسيون ولا يجدونه ؛ ولذا نهبوا الخزرجي الذي وقع تحت أيديهم وتركوه مجردا من كل شئ وهدموا منازلهم وشتتوا أسرهم وهدموا وأحرقوا بساتين نخيلهم وبهذا أظهروا دناءتهم التي لا توصف وجرحوا ثابت بن قيس بن شماس الذي قبضوا عليه وكان ذلك الجرح شارة حريته وأسرعوا في قطع نخيل بنى سلمة وإحراقها ؛ وأسرع سعد بن معاذ الأشهلى حتى أنقذ نخيل قومه . وأخذت أضواء شمس النبوة تضئ آفاق المدينة المنورة عقب وقعة يوم بعاث وشرعت الدعوة المحمدية تنير أرض يثرب والبطحاء وبدأ السلطان الذي ظهر جديدا يرفع أستار الظلام والخصومة والعداوة بين قبائل الأوس والخزرج ، ولم يبق لها أثرا واتحد أفراد جميع القبائل التي تنتسب وتنتهى إلى ثعلبة بن عمرو مزيقيا واتفقوا جميعا في نصرة الدين الأحمدي واتحدت كلمتهم .

--> ( 1 ) إن هذا الرجل هو الذي قتل الرهينة التي أخذت قبل يوم الفجار الثاني غدرا .